الولاء والبراء أوثق عرى الإيمان
الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام دينا،
ووعدنا بالنصر والتمكين، والأمن بعد الخوف، والإستخلاف في الأرض متى حققنا الإيمان
والعمل الصالح وعبادة الله تعالى وحده. وأصلي وأسلم على نبي الرحمة، نبي الملحمة،
الذي جهر بالدعوة إلى ربه وجاهد في الله حق جهاده حتى أظهر الله دينه على الدين
كله، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ...
إنها كلمة التوحيد، وأصل الرسالة المحمدية. إنها كلمة مركبة من معرفة ما جاء به
الرسول ﷺ علماً،
والتصديق به عقداً، والإقرار به نطقاً، والإنقياد له محبة وخضوعاً، والعمل به
باطناً وظاهراً، وهذه الكلمة العظيمة بكل مفاهيمها ومقتضياتها قد غابت عن حس الناس
اليوم إلا من رحم الله. فقد طفت على الساحة دعوات مشبوهة، خبيثة، ظاهرها خير،
وباطنها شر مستطير!!!. دعوات تنادي بالإخاء والمساواة، والإتحاد بين الأمم على
إختلاف مشاربها وعقائدها وأهدافها، مع إحتفاظ كل ذي دين بدينه، فالدين -من وجهة
نظرهم- هو علاقة خاصة بين الفرد وربه شريطة أن يكون ديناً كهنوتياً يمارس داخل البيوت ودور العبادة، ولا
صلة له بالحياة العامة. وقد ظهرت هذه الدعوات بقوالب وأشكال وعناوين متعددة،
ولكنها إتفقت في الغايات والأهداف، ومنها على سبيل المثال: العالمية، الإنسانية،
تقارب الأديان، التعايش مع الآخر، المجتمع الدولي، و.....إلخ. وللأسف الشديد إنساق
كثير من المسلمين وراء هذه الدعوات، فسافروا إلى بلاد اليهود والنصارى حيث الحريات
بلا حدود، وحضارات وثقافات تخطف العقول، فطاب لهم فيها المقام، وتجنسوا بجنسياتها،
وتحدثوا بلغتهم، تشبهوا بأهلها في المأكل والملبس، وإحتفلوا بأعيادهم، وإتبعوا
طقوسهم، ثم تسموا بأسمائهم، وتنكروا لبلادهم ولأهليهم، وعابوا على عاداتهم
وتقاليدهم التي تربوا عليها، وغاب عنهم المفهوم العقدي للولاء والبراء.
طيب؛ فما الولاء؟ وما البراء؟ ... جاء في لسان
العرب أن الموالاة هي أن يتشاجر إثنان فيدخل ثالث بينهما للصلح، ويكون له في
أحدهما هوى فيواليه أو يحابيه. فوالى فلان فلاناً: إذا أحبه، وهذا هو معنى الولاء
في اللغة. فإذا فرضنا أن هناك إبن له ولاء لأبيه،
فلما نقلت إليه قصة لا تليق بأبيه، فكر لعلها أفتريت عليه، أو لعلها مبالغة، أو
أنها في الحقيقة ليست كما هي، ولأن هذا الإبن لديه ولاء لأبيه، فكر أن يدافع عنه،
أن يسأل أباه، يحاول أن يتأكد ويتحقق، ويدافع ويسأل، وكل هذا بدافع ولائه لأبيه.
لكن لو أن إنساناً يعادي إنساناً، فأقل خبر سيئ يسمعه
الأول عن الثاني، يصدقه بلا حاجة إلى دليل، لأن هذا الإنسان الأول ليس لديه ولاء للثاني. أما معنى الولاء شرعاً؛ فهو موافقة العبد ربه فيما يحبه ويرضاه من
الأقوال والأفعال والإعتقادات، فسمة ولي الله هو محبته لما يحبه الله،
ورضاه بما يرضي الله، وعمله بذلك كله وميله إليه على وجه الملازمة له.
فحينما توالي الله ورسوله، تنفي كل قصة لا تليق بكمال الله دون أن تشعر،
وإذا سمعت أي قول فيه إفتراء وشبهة، تحاول أن تبحث وتتأكد. لذلك؛ فالولاء أصل في
الدين. وحينما توالي الله ورسوله، وتوالي المؤمنين، فإنه يسعدك ما يسعدهم، ويؤلمك
ما يؤلمهم، تدافع عنهم، تحاول أن ترى بعض المبررات لأخطائهم، تحاول أن تعتذر عنهم،
تحسن بهم الظن دائماً، أما العدو فيبحث عن المثالب والأخطاء، ويكبرها، ويروج
لها، ويشهر بصاحبها.
أخواتي وإخوتي في الله؛ إن الأخوة الإسلامية تفرض على كل مسلم أن ينصر
إخوانه في الدين، ويواليهم، ويوصل إليهم كل خير في الدين والدنيا، ويذب عنهم كيد
الأعداء، ويعلمهم ما ينفعهم في حالهم ومآلهم، كما أن عليه أخذ الحذر من أعدائه
الألداء، الذين يضمرون الحقد والبغضاء لكل مسلم، وأن على المسلم البعد عن حيلهم،
والحيطة من الوقوع في حبائلهم، حتى ينجو بدينه وعقيدته. والولاء لا يعني أبداً
العصبية والإنحياز الأعمى، فالمؤمن يتبع الحق أينما كان، فلا ينحاز والد لولده على
خطأه، ولا ينحاز ولد لوالده على خطأه، ولا أخ لأخيه، ولا صديق لصديقه، فيقول
المولى جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ
اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ
فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ صدق الله العظيم.
وإذا كان الولاء معناه محبة المؤمنين وموالاتهم، فالبراء معناه بغض الكافرين
ومعاداتهم، والبراءة منهم ومن دينهم، هذا هو "الولاء والبراء" كما قال
الله سبحانه في سورة الممتحنة: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ
أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ
إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا
بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى
تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴾ صدق الله العظيم. وليس معنى بغضهم وعداوتهم أن تظلمهم أو
تتعدى عليهم إذالم يكونوا محاربين، وإنما معناه أن تبغضهم في قلبك وتعاديهم بقلبك،
ولا يكونوا أصحاباً لك، لكن لا تؤذهم، ولا تضرهم، ولا تظلمهم، فإذا سلموا، ترد
عليهم السلام، وتنصحهم، وتوجههم إلى الخير، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾ صدق الله العظيم.
وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وهكذا غيرهم من
الكفار الذين لهم عندنا أمان أو عهد أو ذمة، لكن من ظلم منهم يجازى على ظلمه، وإلا
فالمشروع للمسلم الجدال بالتي هي أحسن مع أهل الكتاب والكفار مع بغضهم في الله، وذلك
تطبيقاً للآية الكريمة السابقة، ولقوله سبحانه وتعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ صدق
الله العظيم. ويشرع للمسلم أن يدعوهم إلى الله،
ويعلمهم ويرشدهم إلى الحق لعل الله يهديهم بأسبابه إلى طريق الصواب، ولا مانع من
الصدقة عليهم، والإحسان إليهم، لقول الله عز وجل: ﴿ لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ
فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ
وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ صدق
الله العظيم. وثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه
أمر أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أن تصل أمها وهي كافرة، وكان ذلك حال الهدنة
التي وقعت بين النبي ﷺ وبين أهل مكة على أثر صلح الحديبية.
وقد
ينسلخ المسلم من البراء إلى الولاء مما يستحق البراء منه، كمثل الذي هاجر إلى بلاد
الغرب، التي فيها إيجابيات، وفيها سلبيات، فإذا كان ولاءه ضعيفاً جداً لأمته
ولدينه، فكل الميزات في بلاد الغرب يروج لها، ويتحدث عنها، وأما المثالب والعيوب
والسلبيات والأخطاء والجرائم والإباحية، فيتعامى عنها ولا يذكرها، لأن ولاءه أصبح لهم.
بينما المؤمن حقاً تقلقه سلبيات الغرب، تقلقه إباحيتهم، تقلقه عدوانيتهم على بقية
الشعوب. وفي نفس الوقت يتألم أشد الألم إذا رأى في بلده سلبيات، فهو يحاول أن
يصلحها، يحاول أن يقيمها، يحاول أن يبحث عن الأسباب التي أدت إليها وكيفية علاجها، فالأصل في
الحياة ولاءك وبراءك.
فيا أخي
في الله؛ لا تجعل عدو الدين لك ولياً، لأنه يرى الإباحية في بلاد الغرب، يرى
التجاوزات، يرى الشذوذ، يرى ما يفعله هؤلاء الأقوياء بشعوب الأرض فلا يتألم أبداً،
بل يشيد بصناعتهم، وبنظافتهم، ونظامهم، وأناقتهم، وينسى جرائمهم، فإن واليتهم فأنت
منهم، ومن هوى أهل الكتاب والكفرة حشر معهم، ولا ينفعه عمله شيئاً تطبيقاً لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا
لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا
يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ صدق الله العظيم، وكذلك قوله
تعالى: ﴿ تَرَى
كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ
لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ
خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ
إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ صدق الله
العظيم.
ونخلص
مما سبق؛ أنه ينبغي على المؤمن أن يوالي المؤمنين ولو كانوا ضعافاً وفقراء، وأن يتبرأ
من المشركين ولو كانوا أغنياءً وأقوياء، فهنالك؛ يعز الله أولياء المؤمنين كما وعدهم تعالى
بقوله: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ
اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ
مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ
وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَر ِ﴾ صدق الله العظيم، وكذلك يغدق عليهم النعم،
ويرزقهم صلاح الدنيا والآخرة كما قال الله سبحانه وتعالى في حق سيدنا إبراهيم عليه
السلام: ﴿ فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا
يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا
جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ
لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ صدق الله العظيم.
إن كلمة التوحيد لن تتحقق على الأرض إلا بتحقيق الولاء لمن يستحق الولاء له،
والبراء ممن يستحق البراء منه، وأن عقيدة الولاء والبراء هي أوثق عرى الإيمان، لما
رواه أحمد في مسنده عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: « أوثق
عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله »، وهي سبب لتذوق القلب حلاوة الإيمان،
ولذة اليقين، لما جاء عنه ﷺ أنه قال: « ثلاث من وجدهن وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله
أحب إليه مما سواهما. وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر
بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار»، وهي الصلة التي على أساسها
يقوم المجتمع المسلم كما قال ﷺ: « أحب لأخيك ما تحب لنفسك »، وقال أيضاً سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا
بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ صدق
الله العظيم.
طيب؛ هل علينا أن نمتنع عن التعامل مع الحضارة الغربية والتواصل معها ونحرم من الإستفادة من
تقدمهم العلمي الذي نحن كمسلمين في أمس الحاجة إليه؟.
إن عقيدة الولاء والبراء لا تمنع التعامل مع الحضارة الغربية
بصفة عامة، أو مع اليهود والنصارى والكفار بصفة خاصة، كل ما هناك أن التعامل مع هؤلاء
مشروط عندنا بشرط، وهو ألا يكون على حساب عقيدتنا وديننا وأخلاقنا، فإن دعينا
للتبرج رفضنا، أو للربا رفضنا، أو للعلمانية رفضنا، أو للتخلي عن سمتنا الإيمانية
رفضنا. نحن أمة الله، ومحمد قدوتنا، نحب ما أحب الله، ونبغض ما أبغض الله، نحب من
أحب رسول الله، ونبغض من أبغض رسول الله، نحب من أحب دين الله، ونبغض من أبغض دين
الله.
فإن دعت الضرورة الشرعية، أو الحاجة الملحة، إلى الإقامة المؤقتة في بلاد الكفر، سواء
كان لغرض دعوي أو دنيوي، ضروري أو حاجي، كالعمل أو التجارة أو الدراسة أو العلاج،
أو لأغراض مباحة أخرى لا تتوفر في بلده أو لا يمكن الوصول إليها فيه، فإن أهل
العلم يستثنون هذه الحالات من عموم المنع مقرونة بالشروط الواجب توافرها في
المسافر إلى هذه البلدان، وهي:
١- أن يكون المسافر ملماً بأحكام دينه بما
يكفي للحفاظ عليه.
٢- أن يكون آمناً
على إيمانه وإسلامه من فتنة الشبهات والشهوات، خشية إنحرافه عن الجادة.
٣- أن يكون قادراً
على الجهر بشعائر الإسلام ومظهراً لها على سبيل الكمال، ومؤدياً لها على وجه
التمام بدون خوف أو معارضة من إقامة الصلوات والصيام والحج ونحوها، ولا يمنعه مانع
من الإلتزام بالهدي المستقيم في عموم مظهره المخالف لمظاهر المشركين.
٤- أن يكون قادراً
على الإلتزام بعقيدة الولاء والبراء التي هي لازمة من لوازم كلمة التوحيد وشرط من
شروطها، متجنباً موالاة الكفار ومحبتهم فيما هم عليه، وأن يبقى مضمراً لبغضهم
وعداوتهم وعدم الرضا بأفعالهم لشركهم وكفرهم. ويمتنع عن التشبه بهم فيما هو من
خصائصهم ديناً ودنيا، بحيث تتميز معالم شخصيته الإسلامية عنهم سلوكاً ومظهراً دون
تميع أو إنصهار، وعدم مشاركتهم في أفراحهم وأعيادهم وتجنب تهنئتهم عليها، وعدم إتخاذهم
أولياء، ولا يتودد إليهم، لأن محبة أعداء الله تستلزم موافقتهم وإتباعهم، والرضا
بفعلهم من غير إنكار ولا كراهة، وهذا بلا شك مناف لعقيدة الولاء والبراء وهي أوثق
عرى الإسلام، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي
وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ ﴾ صدق
الله العظيم وقال تعالى: ﴿ لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ
يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ
أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾ صدق الله
العظيم، وقال تعالى: ﴿ وَمَن يَتَولَّهُم مِنكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم ﴾ صدق
الله العظيم. ومن ذلك أيضاً عدم مداهنتهم والتحاكم إليهم، والرضى بحكمهم وترك حكم
الله تعالى، وعدم بدئهم بالسلام، ولا تعظيمهم بلفظ أو فعل ونحو ذلك. ومن لا يقدر
على ذلك، فلا يدع نفسه عرضة لآيات الوعيد التي تقع على من لا يأمن على نفسه الفتنة،
أو كانت إقامته في بلاد الكفر موالاة لهم كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ
تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ
قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ
وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ
مَصِيرًا ﴾ صدق الله العظيم، وقوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى
يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا
وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ صدق الله العظيم. فالواجب
عليه -إذن- أن يحث نفسه على الهجرة ويرغبها فيها طلباً لمرضاة الله تعالى، وتقصداً
لعبادته وحده لا شريك له، ونصرة لدينه وأوليائه، لينجو من أعداء الله تعالى، ويحصل
-في دار هجرته- على أعظم المطالب من الأمن على أداء العبادة بلا إضطهاد ولا أذى، ومن
صلاح الحال والعزة والكرامة، وسعة الرزق الموعود بها لمن خرج خروجاً في سبيل الله
لا يريد به إلا وجه الله تعالى، فإن مات قبل وصوله إلى دار هجرته فإن الله لا يضيع
أجر المصلحين العاملين الفارِين بدينهم، فيعطيهم ما يعطيه للمهاجرين في سبيله من
المغفرة للذنوب والفوز بالجنة والنجاة من النار، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ
يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً
وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ
يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا
رَحِيمًا ﴾ صدق الله العظيم. ولقد صدق الله وعده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده وأظهر دينه على الدين كله، فما على المسلمين إلا أن يعودوا إلى دينهم القويم ويتمسكوا بتعاليمه، حتى يحظوا
بالنصر والتمكين، ولله عاقبة الأمور.
واللهَ نسأل أن
يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ويعصمنا من الزلل والفتن، ما ظهر منها
وما بطن، ويهدينا سبيل الهدى والرشاد والنجاة، ويحشرنا في زمرة الأخيار، ويدخلنا الجنة
مع الأبرار، إنه -سبحانه- رحيم غفار.
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

