الأحد، 29 أكتوبر 2017

عقيدة الولاء والبراء


الولاء والبراء أوثق عرى الإيمان

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام دينا، ووعدنا بالنصر والتمكين، والأمن بعد الخوف، والإستخلاف في الأرض متى حققنا الإيمان والعمل الصالح وعبادة الله تعالى وحده. وأصلي وأسلم على نبي الرحمة، نبي الملحمة، الذي جهر بالدعوة إلى ربه وجاهد في الله حق جهاده حتى أظهر الله دينه على الدين كله، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ... إنها كلمة التوحيد، وأصل الرسالة المحمدية. إنها كلمة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول  علماً، والتصديق به عقداً، والإقرار به نطقاً، والإنقياد له محبة وخضوعاً، والعمل به باطناً وظاهراً، وهذه الكلمة العظيمة بكل مفاهيمها ومقتضياتها قد غابت عن حس الناس اليوم إلا من رحم الله. فقد طفت على الساحة دعوات مشبوهة، خبيثة، ظاهرها خير، وباطنها شر مستطير!!!. دعوات تنادي بالإخاء والمساواة، والإتحاد بين الأمم على إختلاف مشاربها وعقائدها وأهدافها، مع إحتفاظ كل ذي دين بدينه، فالدين -من وجهة نظرهم- هو علاقة خاصة بين الفرد وربه شريطة أن يكون ديناً  كهنوتياً يمارس داخل البيوت ودور العبادة، ولا صلة له بالحياة العامة. وقد ظهرت هذه الدعوات بقوالب وأشكال وعناوين متعددة، ولكنها إتفقت في الغايات والأهداف، ومنها على سبيل المثال: العالمية، الإنسانية، تقارب الأديان، التعايش مع الآخر، المجتمع الدولي، و.....إلخ. وللأسف الشديد إنساق كثير من المسلمين وراء هذه الدعوات، فسافروا إلى بلاد اليهود والنصارى حيث الحريات بلا حدود، وحضارات وثقافات تخطف العقول، فطاب لهم فيها المقام، وتجنسوا بجنسياتها، وتحدثوا بلغتهم، تشبهوا بأهلها في المأكل والملبس، وإحتفلوا بأعيادهم، وإتبعوا طقوسهم، ثم تسموا بأسمائهم، وتنكروا لبلادهم ولأهليهم، وعابوا على عاداتهم وتقاليدهم التي تربوا عليها، وغاب عنهم المفهوم العقدي للولاء والبراء.
طيب؛ فما الولاء؟ وما البراء؟ ... جاء في لسان العرب أن الموالاة هي أن يتشاجر إثنان فيدخل ثالث بينهما للصلح، ويكون له في أحدهما هوى فيواليه أو يحابيه. فوالى فلان فلاناً: إذا أحبه، وهذا هو معنى الولاء في اللغة. فإذا فرضنا أن هناك إبن له ولاء لأبيه، فلما نقلت إليه قصة لا تليق بأبيه، فكر لعلها أفتريت عليه، أو لعلها مبالغة، أو أنها في الحقيقة ليست كما هي، ولأن هذا الإبن لديه ولاء لأبيه، فكر أن يدافع عنه، أن يسأل أباه، يحاول أن يتأكد ويتحقق، ويدافع ويسأل، وكل هذا بدافع ولائه لأبيه. لكن لو أن إنساناً يعادي إنساناً، فأقل خبر سيئ يسمعه الأول عن الثاني، يصدقه بلا حاجة إلى دليل، لأن هذا الإنسان الأول ليس لديه ولاء للثاني. أما معنى الولاء شرعاً؛ فهو موافقة العبد ربه فيما يحبه ويرضاه من الأقوال والأفعال والإعتقادات، فسمة ولي الله هو محبته لما يحبه الله، ورضاه بما يرضي الله، وعمله بذلك كله وميله إليه على وجه الملازمة له.
فحينما توالي الله ورسوله، تنفي كل قصة لا تليق بكمال الله دون أن تشعر، وإذا سمعت أي قول فيه إفتراء وشبهة، تحاول أن تبحث وتتأكد. لذلك؛ فالولاء أصل في الدين. وحينما توالي الله ورسوله، وتوالي المؤمنين، فإنه يسعدك ما يسعدهم، ويؤلمك ما يؤلمهم، تدافع عنهم، تحاول أن ترى بعض المبررات لأخطائهم، تحاول أن تعتذر عنهم، تحسن بهم الظن دائماً، أما العدو فيبحث عن المثالب والأخطاء، ويكبرها، ويروج لها، ويشهر بصاحبها.
أخواتي وإخوتي في الله؛ إن الأخوة الإسلامية تفرض على كل مسلم أن ينصر إخوانه في الدين، ويواليهم، ويوصل إليهم كل خير في الدين والدنيا، ويذب عنهم كيد الأعداء، ويعلمهم ما ينفعهم في حالهم ومآلهم، كما أن عليه أخذ الحذر من أعدائه الألداء، الذين يضمرون الحقد والبغضاء لكل مسلم، وأن على المسلم البعد عن حيلهم، والحيطة من الوقوع في حبائلهم، حتى ينجو بدينه وعقيدته. والولاء لا يعني أبداً العصبية والإنحياز الأعمى، فالمؤمن يتبع الحق أينما كان، فلا ينحاز والد لولده على خطأه، ولا ينحاز ولد لوالده على خطأه، ولا أخ لأخيه، ولا صديق لصديقه، فيقول المولى جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ صدق الله العظيم.
وإذا كان الولاء معناه محبة المؤمنين وموالاتهم، فالبراء معناه بغض الكافرين ومعاداتهم، والبراءة منهم ومن دينهم، هذا هو "الولاء والبراء" كما قال الله سبحانه في سورة الممتحنة: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴾ صدق الله العظيم. وليس معنى بغضهم وعداوتهم أن تظلمهم أو تتعدى عليهم إذالم يكونوا محاربين، وإنما معناه أن تبغضهم في قلبك وتعاديهم بقلبك، ولا يكونوا أصحاباً لك، لكن لا تؤذهم، ولا تضرهم، ولا تظلمهم، فإذا سلموا، ترد عليهم السلام، وتنصحهم، وتوجههم إلى الخير، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾ صدق الله العظيم.
 وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وهكذا غيرهم من الكفار الذين لهم عندنا أمان أو عهد أو ذمة، لكن من ظلم منهم يجازى على ظلمه، وإلا فالمشروع للمسلم الجدال بالتي هي أحسن مع أهل الكتاب والكفار مع بغضهم في الله، وذلك تطبيقاً للآية الكريمة السابقة، ولقوله سبحانه وتعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ صدق الله العظيم. ويشرع للمسلم أن يدعوهم إلى الله، ويعلمهم ويرشدهم إلى الحق لعل الله يهديهم بأسبابه إلى طريق الصواب، ولا مانع من الصدقة عليهم، والإحسان إليهم، لقول الله عز وجل: ﴿ لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ صدق الله العظيم. وثبت في الصحيحين عن النبي   أنه أمر أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أن تصل أمها وهي كافرة، وكان ذلك حال الهدنة التي وقعت بين النبي وبين أهل مكة على أثر صلح الحديبية.
وقد ينسلخ المسلم من البراء إلى الولاء مما يستحق البراء منه، كمثل الذي هاجر إلى بلاد الغرب، التي فيها إيجابيات، وفيها سلبيات، فإذا كان ولاءه ضعيفاً جداً لأمته ولدينه، فكل الميزات في بلاد الغرب يروج لها، ويتحدث عنها، وأما المثالب والعيوب والسلبيات والأخطاء والجرائم والإباحية، فيتعامى عنها ولا يذكرها، لأن ولاءه أصبح لهم. بينما المؤمن حقاً تقلقه سلبيات الغرب، تقلقه إباحيتهم، تقلقه عدوانيتهم على بقية الشعوب. وفي نفس الوقت يتألم أشد الألم إذا رأى في بلده سلبيات، فهو يحاول أن يصلحها، يحاول أن يقيمها، يحاول أن يبحث عن الأسباب التي أدت إليها وكيفية علاجها، فالأصل في الحياة ولاءك وبراءك. فيا أخي في الله؛ لا تجعل عدو الدين لك ولياً، لأنه يرى الإباحية في بلاد الغرب، يرى التجاوزات، يرى الشذوذ، يرى ما يفعله هؤلاء الأقوياء بشعوب الأرض فلا يتألم أبداً، بل يشيد بصناعتهم، وبنظافتهم، ونظامهم، وأناقتهم، وينسى جرائمهم، فإن واليتهم فأنت منهم، ومن هوى أهل الكتاب والكفرة حشر معهم، ولا ينفعه عمله شيئاً تطبيقاً لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ صدق الله العظيم، وكذلك قوله تعالى: ﴿ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ  صدق الله العظيم.
ونخلص مما سبق؛ أنه ينبغي على المؤمن أن يوالي المؤمنين ولو كانوا ضعافاً وفقراء، وأن يتبرأ من المشركين ولو كانوا أغنياءً وأقوياء، فهنالك؛ يعز الله أولياء المؤمنين كما وعدهم تعالى بقوله: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَر ِ﴾  صدق الله العظيم، وكذلك يغدق عليهم النعم، ويرزقهم صلاح الدنيا والآخرة كما قال الله سبحانه وتعالى في حق سيدنا إبراهيم عليه السلام: ﴿ فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا  صدق الله العظيم.
إن كلمة التوحيد لن تتحقق على الأرض إلا بتحقيق الولاء لمن يستحق الولاء له، والبراء ممن يستحق البراء منه، وأن عقيدة الولاء والبراء هي أوثق عرى الإيمان، لما رواه أحمد في مسنده عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله : « أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله »، وهي سبب لتذوق القلب حلاوة الإيمان، ولذة اليقين، لما جاء عنه  أنه قال: « ثلاث من وجدهن وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار»، وهي الصلة التي على أساسها يقوم المجتمع المسلم كما قال : « أحب لأخيك ما تحب لنفسك »، وقال أيضاً سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ صدق الله العظيم.
طيب؛ هل علينا أن نمتنع عن التعامل مع الحضارة الغربية والتواصل معها ونحرم من الإستفادة من تقدمهم العلمي الذي نحن كمسلمين في أمس الحاجة إليه؟.
إن عقيدة الولاء والبراء لا تمنع التعامل مع الحضارة الغربية بصفة عامة، أو مع اليهود والنصارى والكفار بصفة خاصة، كل ما هناك أن التعامل مع هؤلاء مشروط عندنا بشرط، وهو ألا يكون على حساب عقيدتنا وديننا وأخلاقنا، فإن دعينا للتبرج رفضنا، أو للربا رفضنا، أو للعلمانية رفضنا، أو للتخلي عن سمتنا الإيمانية رفضنا. نحن أمة الله، ومحمد قدوتنا، نحب ما أحب الله، ونبغض ما أبغض الله، نحب من أحب رسول الله، ونبغض من أبغض رسول الله، نحب من أحب دين الله، ونبغض من أبغض دين الله. فإن دعت الضرورة الشرعية، أو الحاجة الملحة، إلى الإقامة المؤقتة في بلاد الكفر، سواء كان لغرض دعوي أو دنيوي، ضروري أو حاجي، كالعمل أو التجارة أو الدراسة أو العلاج، أو لأغراض مباحة أخرى لا تتوفر في بلده أو لا يمكن الوصول إليها فيه، فإن أهل العلم يستثنون هذه الحالات من عموم المنع مقرونة بالشروط الواجب توافرها في المسافر إلى هذه البلدان، وهي:
١- أن يكون المسافر ملماً بأحكام دينه بما يكفي للحفاظ عليه.
٢- أن يكون آمناً على إيمانه وإسلامه من فتنة الشبهات والشهوات، خشية إنحرافه عن الجادة.
٣- أن يكون قادراً على الجهر بشعائر الإسلام ومظهراً لها على سبيل الكمال، ومؤدياً لها على وجه التمام بدون خوف أو معارضة من إقامة الصلوات والصيام والحج ونحوها، ولا يمنعه مانع من الإلتزام بالهدي المستقيم في عموم مظهره المخالف لمظاهر المشركين.
٤- أن يكون قادراً على الإلتزام بعقيدة الولاء والبراء التي هي لازمة من لوازم كلمة التوحيد وشرط من شروطها، متجنباً موالاة الكفار ومحبتهم فيما هم عليه، وأن يبقى مضمراً لبغضهم وعداوتهم وعدم الرضا بأفعالهم لشركهم وكفرهم. ويمتنع عن التشبه بهم فيما هو من خصائصهم ديناً ودنيا، بحيث تتميز معالم شخصيته الإسلامية عنهم سلوكاً ومظهراً دون تميع أو إنصهار، وعدم مشاركتهم في أفراحهم وأعيادهم وتجنب تهنئتهم عليها، وعدم إتخاذهم أولياء، ولا يتودد إليهم، لأن محبة أعداء الله تستلزم موافقتهم وإتباعهم، والرضا بفعلهم من غير إنكار ولا كراهة، وهذا بلا شك مناف لعقيدة الولاء والبراء وهي أوثق عرى الإسلام، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ ﴾ صدق الله العظيم وقال تعالى: ﴿ لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾ صدق الله العظيم، وقال تعالى: ﴿ وَمَن يَتَولَّهُم مِنكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم ﴾ صدق الله العظيم. ومن ذلك أيضاً عدم مداهنتهم والتحاكم إليهم، والرضى بحكمهم وترك حكم الله تعالى، وعدم بدئهم بالسلام، ولا تعظيمهم بلفظ أو فعل ونحو ذلك. ومن لا يقدر على ذلك، فلا يدع نفسه عرضة لآيات الوعيد التي تقع على من لا يأمن على نفسه الفتنة، أو كانت إقامته في بلاد الكفر موالاة لهم كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ صدق الله العظيم، وقوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا  صدق الله العظيم. فالواجب عليه -إذن- أن يحث نفسه على الهجرة ويرغبها فيها طلباً لمرضاة الله تعالى، وتقصداً لعبادته وحده لا شريك له، ونصرة لدينه وأوليائه، لينجو من أعداء الله تعالى، ويحصل -في دار هجرته- على أعظم المطالب من الأمن على أداء العبادة بلا إضطهاد ولا أذى، ومن صلاح الحال والعزة والكرامة، وسعة الرزق الموعود بها لمن خرج خروجاً في سبيل الله لا يريد به إلا وجه الله تعالى، فإن مات قبل وصوله إلى دار هجرته فإن الله لا يضيع أجر المصلحين العاملين الفارِين بدينهم، فيعطيهم ما يعطيه للمهاجرين في سبيله من المغفرة للذنوب والفوز بالجنة والنجاة من النار، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ صدق الله العظيم. ولقد صدق الله وعده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده وأظهر دينه على الدين كله، فما على المسلمين إلا أن يعودوا إلى دينهم القويم ويتمسكوا بتعاليمه، حتى يحظوا بالنصر والتمكين، ولله عاقبة الأمور.
واللهَ نسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ويعصمنا من الزلل والفتن، ما ظهر منها وما بطن، ويهدينا سبيل الهدى والرشاد والنجاة، ويحشرنا في زمرة الأخيار، ويدخلنا الجنة مع الأبرار، إنه -سبحانه- رحيم غفار.
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

الخميس، 26 أكتوبر 2017

المساواة وحق القوامة.


من لي بتربية النساء فإنها...في الشرق علة ذلك الإخفاق

الأم مدرسة إذا أعدتها...أعدت شعباً طيب الأعراق

الأم روض إن تعهده الحيا...بالري أورق أيما إيراق  



نشر الكاتب البرازيلي الشهير "باولو كويلو" قصة قصيرة إستوقفتني كثيراً حيث قال: " كان الأب يحاول أن يقرأ الجريدة، ولكن إبنه الصغير لم يتوقف عن مضايقته، وحين تعب الأب من إبنه، قام بقطع صفحة من الجريدة كان أحد وجهيها يحتوي على خريطة للعالم، ومزق الأب هذه الصفحة إلى أجزاء صغيرة وقدمها إلى إبنه، وطلب الأب منه محاولة إعادة تجميع الخريطة مرة أخري، ثم عاد الى قراءة الجريدة ظاناً أن الطفل سيبقي مشغولاً لبقية اليوم. إلا أنه لم تمر خمس عشرة دقيقة حتى عاد الطفل إليه وقد أعاد ترتيب الخريطة!!!، فتسائل الأب مذهولاً: هل كانت أمك تعلمك الجغرافيا؟!. قال الطفل: لا؛ ولكن كانت هناك صورة لإنسان على الوجه الآخر من الصفحة، وعندما أعدت بناء الإنسان آعدت بناء العالم !!!. عبارة عفوية نطقها طفل صغير ولكن معناها عظيم. نعم؛ إذا أردنا بناء أمة عظيمة فعلينا أولاً أن نهتم ببناء أفراد هذه الأمة وننشأهم تنشئة قويمة.
 عندما إختار مايكل هارت رسولنا الكريم ليكون أعظم شخصية على مستوى التاريخ الإنساني تأثيراً في البشرية، كان أهم سبب لذلك هو أن ما جاء به تنافى بكل الأشكال مع البيئة التي نشأ بها، فقد كان مولده في مكة المكرمة وسط أرض الجزيرة العربية، ونشأ وسط مجتمع قبلي قاسي، بعيد كل البعد عن التحضر، ولا يوجد به ما يمكن أن يشار إليه بالثقافة، بل إن مجتمعه كانت تحكمه عصبية الجاهلية وفوضويتها، فلم يتأثر رسولنا الكريم بمجتمعه مثل الآخرين، بل هو من أثر في المجتمع، وحمل منفرداً لواء التنوير في مواجهة شعوب كاملة، إذ إستطاع منفرداً في بادئ الأمر، ثم بمساعدة قلة من المستضعفين ممن آمنوا به في أول الأمر، من التأسيس لحضارة إمتدت في عمق الزمن لأكثر من 14 قرناً، وإمتدت جغرافياً فغزت تقريباً كافة بقاع العالم، فهذا العظيم من بين بقية العظماء، لم يحظ بقدر من التعليم، لكنه فعل ما لم يفعله حاملي الشهادات العليا في الأزمنة المتطورة المتحضرة، فقد أعمل عقله واهتدى به إلى وجود الخالق، ولم ينساق وراء الأمر الواقع فيسجد ويركع لأصنام لا تنفع ولا تضر، كما أن أميته لم تقف عائقاً في طريقه، واستطاع أن يقود أمة كاملة بأفكاره النيرة وعقله الرشيد وإدارته الحكيمة، وأن يحدث في الحياة تأثيراً إمتد لقرون عديدة ولا يزال قائماً، فإهتم بإعادة بناء أفراد مجتمعه، فبدأ أول ما بدأ بترسيخ عقيدة التوحيد داخلهم، ثم بتهذيب سلوكياتهم، ثم وضع القوانين المنظمة للأمور المعيشية والحياتية لهم، أرسى من خلالها قواعد الإسلام وأصول الشريعة والسلوك الاجتماعي والأخلاقي وأصول المعاملات بينهم، فكانت أمته خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ صدق الله العظيم.
ثم ماذا بعد؟ ... ماذا حدث لأمة محمد صلى الله عليه وسلم؟... الذي حدث هو أننا أصبحنا لا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر، وأن إيماننا بالله وإن وقر بالقلب إلا أنه لم يصدقه العمل، وبالتالي فقد فقدنا بذلك صفة الخيرية التي تميزنا كأمة عن باقي الأمم، وإنطبق علينا قول الله تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ صدق الله العظيم.
نحن إخواني في الله، أمة كأية أمة خلقها الله عز وجل، إذا هان أمر الله عليها هانت على الله، هذه هي الحقيقة المرة، نحن خير أمة إذا آمنا بالله الإيمان الذي يحملنا على طاعته، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر .طيب؛ وما الذي أدى بأمتنا إلى هذا المنقلب؟. إن السبب بلا أدنى شك يرجع إلى حدوث خلل في بناء الإنسان المسلم. طيب؛ وكيف حدث هذا الخلل؟. حدث هذا الخلل عندما أستهدفت المرأة في المجتمعات المسلمة!!!. كيف؟. بعد إنهيار الخلافة العثمانية على يد الإستعمار الأوروبي الصليبي، تم تقسيم الأمة الإسلامية إلى دول تم الإتفاق على إعادة ترسيم حدودها، ثم بدأ الإستعمار عن طريق التعليم في زرع ما يسمى بالإنتماء الوطني في نفوس أفراد كل دولة لدولتهم وليس لأمتهم. ثم بدأ يركز المستعمر على المرأة المسلمة في هده الدول كل على حدى من خلال تعميق إحساسها بالظلم الشديد الواقع عليها من قبل تعاليم دينها، وعادات وتقاليد مجتمعها، فبدأ يتحدث عن ضرورة المساواة بين الرجل والمرأة في حق التعليم، والخروج للعمل، وتولي كافة المناصب المدنية منها والعسكرية، و....إلخ. أضف إلى ما سبق، الجديث عن الحرية الشخصية لها بإعتبارها كائناً مستقلاً إستقلالاً تاماً عن الرجل، لها حياتها الخاصة، ولها رأيها المستقل، وشخصيتها المستقلة، وأن تبعيتها وإنقيادها للرجل سواء في داخل الأسرة أو في خارجها إهانة لها. 
طيب؛ ولماذا المرأة بالذات؟. لأنها ببساطة شديدة هي الأم ... عماد الأسرة ... والأسرة هي المؤسسة الأولى في الحياة الإنسانية، هي نقطة البداية المؤثرة في كل مراحل الحياة، وهي تمثل المحضن الأول في تنشئة الإنسان، وبنائه النفسي  و الروحي... الأم هي مدرسة الحياة الأولى.
أخواتي وإخوتي في الله؛ فى تعداد 2017  الذي أجري في مصر، تم تسجيل 471 ألف مطلقة ومطلق الأغلبية منهم للإناث، وهو رقم لم يصدمنا كثيراً لأننا نعيشه يومياً فى أخبارنا العادية، فهناك حالة طلاق تقع كل 4 دقائق بمعدل يصل إلى 20 حالة في الساعة الواحدة، أي ما يعادل 170 ألف حالة سنوياً، مما يترتب عليه وجود أكثر من 9 ملايين طفل تقريباً تتم تربيتهم بعيداً عن الأبوين بعد أن يتحول الخلاف إلى طلاق، ويتم اللجوء إلى المحاكم.!!! وقد أصدرت محاكم الأسرة بياناً أسفر عن أن عمل المرأة وإستقلالها بنفقتها الشخصية وما تتقاضاه يشكل نسبة 25% من حالات الطلاق التي تقع سنوياً!!!. يا الله ... يعني بحسبة بسيطة، فإن هذا السبب -وما ترتب عليه من زيادة تعميق إحساس الندية مع الزوج داخل الأسرة- أصبح مسئولاً عن وقوع حوالي 45 ألف حالة طلاق، وتشريد حوالي 25,2 مليون طفل سنوياً!!!.
طيب؛ ما هو أثر تعميق الشعور بالمساواة لدى الزوجة المصرية تجاه زوجها، وبإستقلاليتها المادية التامة عنه، في إنهيار أواصر الأسرة والمجتمع؟. لا شك في أن تعميق الإحساس بالمساوة والإستقلالية أدى إلى تعميق الإحساس بالندية مع الزوج، فأصبح إنقيادها لزوجها إهانة، وطاعتها له ضعفاً، ولا مجال هنا للحديث عن القوامة حيث أصبح الحديث عنها دليلاً على الرجعية والتخلف!!!. أصبحت الزوجة المصرية بخروجها للعمل-دون ضرورة شرعية- ومخالطتها للرجال ومصافحتهم، تتجه نحو التبرج، والتزين لغير الزوج، وفرطت في صلاتها، فخالفت شرع الله، وهان أمر الله عليها فهانت عليه، فإستحقت عقوبة الحياة الضنك إعمالاً لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ صدق الله العظيم.
 هذا بخلاف كونها أصبحت شرعاً زوجة ناشز والعياذ بالله!!!. وما معنى "ناشز"؟. النشوز (لغوياً) معناه الإرتفاع والعلو، فيقال أرض ناشز يعني مرتفعة، ومنه سميت المرأة ناشزاً إذا علت و إرتفعت وتكبرت على زوجها. والنشوز في إصطلاح الشرع هو إمتناع المرأة عن أداء حق الزوج، أو عصيانه، أو إساءة العشرة معه. فكل إمرأة صدر منها هذا السلوك، أو تخلقت به، فهي امرأة ناشز ما لم تقلع عن ذلك. ونجد أن من مظاهر هذا النشوز على سبيل المثال:
1.    ترك طاعة الزوج فيما أمر به، والعزوف عن خدمته، والقيام على مصالحه وسائر حقوقه، وتربية ولده، والإمتناع عن الإنتقال معه إلى بيت آخر أو بلد أخرى آمنة.
2.    سوء العشرة في معاملة الزوج والتسلط عليه بالألفاظ البذيئة وإغضابه دائما لأسباب تافهة وإيذائه، ويدخل في ذلك إيذاء أهل الزوج، وقد فسر إبن عباس وغيره الفاحشة في قوله تعالى: ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ بما إذا نشزت المرأة، أو بذت على أهل الزوج وآذتهم سواء بالكلام أو بالفعال.
3.     مخالفة الزوج وعصيانه فيما نهى عنه، كالخروج بلا إذن، وإدخال بيته من يكرهه، وزيارة من منع من زيارته، وقصد الأماكن التي نهى عنها.
4.    الإمتناع عن المعاشرة في الفراش، وقد ورد ذم شديد لمن فعلت ذلك، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة مرفوعاً: "إذا دعا الرجل إمراته إلى فراشه فأبت أن تجيء، لعنتها الملائكة حتى تصبح". وعند مسلم بلفظ "ما من رجل يدعو إمرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها". 
فيحرم على المرأة الإمتناع عن زوجها إذا دعاها للفراش على أي حالة كانت، إلا إذا كانت مريضة أو بها عذر شرعي من حيض أو نفاس، ولا يحل لها حينئذ أن تمنعه من الإستمتاع بما دون الفرج. ولا يجوز للمرأة أن تتبرم، أو تتثاقل وتتباطأ، أو تطلب عوضاً، أو تنفره منها بأي طريقة كانت، فكل ذلك يدخل في معنى النشوز، والواجب عليها أن تجيبه راضية طيبة نفسها بذلك محتسبة الأجر. 
أختي في الله؛ لقد كرم الإسلام المرأة أيما تكريم، بل إنه لا يوجد دين من الأديان السماوية، أو مذهب من المذاهب الأرضية كرم المرأة أكثر مما كرمها الإسلام، بل لا توجد حضارة كرمت المرأة مثلما كرمتها حضارة الإسلام، فقد كرم الإسلام المرأة "أماً" بقوله تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا صدق الله العظيم. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أولى الناس بحسن صحابتي ؟ قال: أمك، قيل ثم من؟ قال: أمك، قيل ثم من؟ قال: أمك، قيل ثم من؟ قال: أبوك. وكرم الإسلام المرأة "زوجا"ً بقوله تعالى: ﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة صدق الله العظيم. كما إستوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم خيراً كما قال في خطبة حجة الوداع: "إستوصوا بالنساء خيراً، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، وإستحللتم فروجهن بكلمة الله". رواه مسلم. وجعلها راعية وسيدة في بيتها حين قال صلى الله عليه وسلم: "والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها"، وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: "الرجل سيد على أهله والمرأة سيدة في بيتها".  
وكرم الإسلام المرأة "أختاً وبنتاً" حين قال رسولنا الكريم: "لا يكون لأحدكم ثلاث بنات أو ثلاث أخوات فيحسن إليهن إلا دخل بهن الجنة"، وقال أيضاً: "من إبتُلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن، كُن له سترًا من النار"- متفق عليه.
وساوى الإسلام بين المرأة والرجل حين قال نبينا الكريم: "إنما النساء شقائق الرجال ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم". أي مساويات للرجال فيما فرض الله عز وجل على الرجال والنساء مما لا تختص به المرأة أو لا يختص به الرجل، فجعلها الإسلام مكلفة مسئولة كاملة المسئولية والأهلية كالرجل، مجزية بالثواب والعقاب مثله، كما ساوى الإسلام بينهما في المسئولية المدنية فيما يتعلق بالحقوق المادية الخاصة، حيث أكد الإسلام على إحترام شخصية المرأة المعنوية، وسواها بالرجل في أهلية الوجوب والأداء، فأقر لها بذمة مالية مستقلة ومنفصلة تماماً عن الذمة المالية لزوجها، وأثبت لها حقها في التصرف في أموالها ومباشرة جميع العقود كحق البيع، وحق الشراء وما إلى ذلك، وكل هذه الحقوق المدنية واجبة النفاذ، وللمرأة حرية التصرف في هذه الأمور بالشكل الذي تريده، دون أية قيود تقيد حريتها في التصرف طالما أن هذه الحرية لا تصطدم بالحق أو الخير.
أختي في الله؛ إن الأمر كله مرجعه إلى أن الأسرة شأنها شأن أي شركة أو مؤسسة صغيرة، لابد وأن يوكل أمرها لأكفأ المرشحين لها، قيماً يدير شؤونها، ويتعهد أحوالها، وينفق من ماله عليها، لتؤدي رسالتها على أكمل الوجوه، ولتكون نواةً للمجتمع الإنساني الذي ينشده الإسلام، إذ في صلاح الأسرة صلاح المجتمع، وفي فساد الأسرة وخرابها خراب المجتمع. وقد فصل المولى جل وعلا في هذه القضية وجعل هذه القوامة حقاً للزوج وهو أدرى بمن خلق حيث قال تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ﴾ صدق الله العظيم.
بيد أن قوامة الرجل على المرأة تستلزم رعايته لها، وتقويمها، بما أوتي من كمال عقل وغزارة خبرة وبعد نظر، وإعتدال العاطفة، وسداد رأي، هذا بالإضافة إلى ما وهبه الله إياه من الحول والقوة الجسدية، وقوة العزم، والحزم. وهذا لا يعني إطلاقاً إنعدام تلك الصفات في النساء، إلا أنها في الرجال أقوى وأكمل وأتم، لذا؛ فكان التفاوت في التكاليف والأحكام نتيجة منطقية للتفاوت في الفطرة والإستعداد. ولم يستحق الرجل القوامة فقط بما فضله الله على النساء في التكوين العقلي والجسماني فقط، ولكنه إستحقها أيضاً بما أنفق من مهر وسكنى تعويضاً للنساء ومكافأة على دخولهن بعقد الزوجية تحت رئاسة الرجال، فالشريعة كرمت المرأة إذ فرضت لها مكافأة عن أمر تقتضيه الفطرة ونظام المعيشة، وهو أن يكون زوجها قيماً عليها، فجعل هذا الأمر من قبيل الأمور العرفية التي يتواضع الناس عليها بالعقود لأجل المصلحة. وقد مضت الحكمة في فضل الرجل على المرأة في القوة والقدرة على الكسب والحماية، ليتيسر لها بهذا القيام بوظيفتها الفطرية، وهي الحمل والولادة وتربية الأطفال، وهي آمنة في سربها، مكفية ما يهمها من أمر رزقها، لذا؛ فلا ينبغي للرجل أن يبغي بفضل قوته على المرأة، ولا للمرأة أن تستثقل فضله وتعده خافضاً لقدرها.
والصالحات قانتات، أي مطيعات لله ولأزواجهن، فأصل القنوت هو مداومة الطاعة...حافظات للغيب أي حافظات لأنفسهن عند غيبة أزواجهن عنهن في فروجهن وأموالهم، وللواجب عليهن من حق الله في ذلك وغيره.أخرج إبن جرير الطبري بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسوله الله صلى الله عليه وسلم: "خير النساء إمرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك"، قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم:{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}...الآية.
عن أسماء بنت يزيد الأنصارية من بني عبد الأشهل، أنها أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو بين أصحابه، فقالت: بأبي أنت وأمي، إني وافدة النساء إليك، واعلم -نفسي لك الفداء- أنه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا أو لم تسمع، إلا وهي على مثل رأيي، إن الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء، فآمنا بك وبإلهك الذي أرسلك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، ومقضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن الرجل منكم إذا خرج حاجاً أو معتمراً أو مرابطاً حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، فما نشارككم في الأجر، يا رسول الله؟ فالتفت النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أصحابه بوجهه كله، ثم قال: هل سمعتم مقالة إمرأة قط أحسن من مسألتها في أمر دينها من هذه؟ فقالوا: يا رسول الله، ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها، ثم قال لها: إنصرفي أيتها المرأة، وأعلمي من خلفك من النساء أن حسن تبعُل إحداكن لزوجها، وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته تعدل ذلك كله !!!. قال: فأدبرت المرأة وهي تهلل وتكبر إستبشاراً. وحسن التبعٌل تعني حسن عشرة الزوج. هل الزوجة إذا حسن تبعلها لزوجها تأخذ ثواب المجاهدين؟!!! ... يا الله ... أوليس هذا إكرام، عمل قليل وأجر جزيل!!! ... الرجل يشارك في المعركة ويرى الموت، ويجرح، و...و...و...وإلخ من الأهوال والمخاطر والفتن، والمرأة بحسن تبعلها لزوجها تأخذ من الأجر عدل ذلك كله، سبحان الله؛ أرأيتم مدى حب الله عز وجل للمرأة المسلمة، وكم هو سبحانه لطيف بالمرأة المسلمة، وكريم مع المرأة المسلمة.
كلام جميل ... ولكن ... ماذا لو كان الإعراض والنشوز من الزوج؟
يقول المولى جل وعلا في كتابه الكريم:﴿ وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتْ الْأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً صدق الله العظيم. أرشد الله المرأة - عند خوفها نشوز زوجها - إلى مصالحته بما تراه يستجلب رضاه، أما إن إستفحل الأمر وخيف من إزدياد الشقاق، أمر الله أهل الحل والعقد ومن له كلمة مسموعة عند الزوجين بالتدخل بقصد الإصلاح والنصح، بل وبعث الحكمين عند الحاجة وإستدعاء الأمر لذلك، كل ذلك لتلافي أسباب الفرقة والنفرة، وليبقى بيت الزوجية سعيداً آمناً. 
أخواتي وإخوتي في الله؛ إن الأسرة هي المؤسسة الأولى في الحياة الإنسانية، وهي نقطة البداية المؤثرة في كل  مراحل الحياة، وهي تمثل المحضن الأول في تنشئة الإنسان، وبنائه النفسي والروحي، وهي بذلك تمثل خط الإمداد الأول لبناء المجتمع الإنساني الفاضل، من خلال رفده بعناصر البناء واللبنات الصالحة، التي نشأت في جو الأسرة وظلالها الوارفة، الفياضة بالدفء والحنان. والحياة الزوجية القائمة على أساس من التقوى لله عز وجل، ومراعاة ما يجب من الحقوق وحسن العشرة بين الزوجين، لهي حياة السعادة والمودة، حياة الرحمة والألفة والمحبة، الحياة التي تكفل لبيت الزوجية كل خير وهناء، وكل أنس وطمأنينة، قوامها الثقة والاحترام، وإن الإخلال بهذا المبدأ لهو السبب في سوء العشرة وزرع الفرقة والنفرة بين الزوجين، الأمر الذي ينتهي بتعالي أحد الزوجين على الآخر، ونزوعه عن طاعته، أو تقصيره عن القيام ببعض حقوقه وما يجب له من حسن العشرة والإحترام.
يقول المولى جل وعلا في كتابه الكريم: :﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ  صدق الله العظيم. إذن هو السكن والطمأنينة والراحة بكل معانيها وظلالها، للجسد والروح على السواء، وللزوجين والأبناء، ثم هو الستر والإحصان، والمودة والرحمة، التي تملأ البيت سعادة وسروراً. وهي الصورة الطبيعية للحياة، المستقرة التي تلبي رغبات الإنسان وتفي بحاجاته، وعلى الأسرة يقع قسط كبير من واجب التربية الخلقية والوجدانية والدينية في جميع مراحل الطفولة، بل والمراحل التالية لها. ولتحقيق هذه الأهداف كانت تلك التوجيهات القرآنية الكريمة، والإرشادات النبوية الشريفة، في شؤون الأسرة بكل جزئياتها، دعوة لتأصيلها في واقع الناس، وحرباً على كل ما يعطلها ويقف في طريقها.
أيها الإخوة والأخوات أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل،،،