تخلص نهائياً من الخوف والحزن وتنعم بالبركة في العمر والرزق.
لا أحد ينكر أن معظم المسلمين في جميع أرجاء وطننا
العربي يعيشون الآن أحلك لحظات الندم والحزن والخوف، الندم على ما فات، والحزن
على ما يعانيه الآن، والخوف مما هو آت. وهل من شعور يدمر السعادة
الإنسانية أكثر من الندم والحزن والخوف؟. إنها من أقسى المشاعر وأشدها إيلاماً على الإطلاق.
إلا أن هذه المشاعر ملازمة فقط للذين إنحرفوا عن
الطريق المستقيم، أما الذين قالوا ربنا الله ثم إستقاموا؛ تكونت قناعاتهم بأن
الله سبحانه وتعالى هو وحده مسير الأمور وميسرها لما فيه صالحهم، فلا ندم ولا حزن
ولا خوف.
يقول المولى جل وعلا في كتابه
الكريم: ﴿ إنّ الّذين قالوا رَبُّنا اللّهُ ثُمّ استقاموا
تَتَنَزّلُ عَليهمُ المَلائِكَةُ أن لا تَخافوا ولا تَحزَنوا وأبشِروا بالجَنَّةِ
الّتي كُنتُم توعَدون ﴾ صدق الله العظيم.
فالمسلمون قد مضوا بشطر هذه الآية حيث قالوا
ربنا الله، فأقروا بشهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم
رسول الله، أما فيما يتعلق بالشطر الثاني من الآية الكريمة فمعظمهم بعيد عنه. فيا إخوتي في الله؛ لقد وعدكم الله ،
ووعد الله حق، إذا ما استقمتم؛ أن تتنزل عليكم الملائكة وهي تنادي أن لا تخافوا،
ولاتحزنوا، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون. فالخوف و الحزن بعيدان عمن إستقام،
وله البشرى، وله الرزق الحسن.
قال الله تعالى: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً
غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ
عَذَاباً صَعَداً ﴾ صدق الله العظيم.
فلو إستقام المسلمون على
أمر ربهم، لانهمرت السماء بمائها، وهذا كناية عن الرزق الوفير، نعم؛ فأول ثمار الإستقامة أن تعيش
في سعة من العيش، هذا كلام خالق الكون، كلام الله عزّ وجل.
وما الطريقة التي تريد الآية
الإستقامة عليها، سوى الطريقة التي سار عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،
فهو أول من سلك طريقة الإستقامة قدوة لهذه الأمة مستجيباً لأمر الله تعالى: ﴿ فاستَقِم كَما أُمِرتَ ومَن تابَ مَعَكَ ﴾.
والإستقامة كما عرفها العلماء هي لزوم طاعة الله
سبحانه وتعالى، والإلتزام بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. إذاً؛ فالإستقامة هي
الدين كله.
الإستقامة عين الكرامة،
لأن كل ثمار الدين من سعادة، وسكينة، واطمئنان، وتوفيق، وشعور بالأمن والأمان،
والشعور بالتميز والتفوق والفوز، خطيرة وثمينة، لا يقطفها الإنسان إلا إذا استقام
على أمر الله، وبين الذي يستمع كثيراً ولا يطبق، وبين الذي يستمع ويطبق بون شاسع.
إخوتي في الله؛ من الجوانب التربوية التي يحرص عليها
الإسلام، أن يجعل المسلم يسير على طريق مستقيم، أن يمسكه الطريق، ويدله عليه
بالآيات والدلائل والبينات، ولكن من المسلمين من يسلك هذا الطريق فيكمله حتى
النهاية، ومنهم من يسلك هذا الطريق فيتعثر به، ثم يعاود النهوض فيمشي، ثم يتعثر
فيجلس ويقعد، ثم يقوم ويمشي ويتعثر، ثم يقوم ويمشي وهكذا، خطوات فيها تردد، مشي
فيه تباطؤ، ومنهم والعياذ بالله من يسلك الطريق من أوله ثم ينكص على عقبيه، فيرتد
إلى طريق الضلالة والعياذ بالله.
لذا؛ فيا أخي في الله، واصل المشوار دون تلكؤ ولا تباطؤ، وإستعن بالصبر والصلاة، فهذه
المشكلة داء كثير من المسلمين، لا يعرفون المواصلة ولا الإستمرارية على الطريق
الذي قرروا أن يسلكوه، وقد يصرف بعضهم جهداً كبيراً حتى يصل إلى الطريق المستقيم،
فإذا ما وصل إليه تقاعس، وهبط، ولصق بالأرض، وطينتها، ومادياتها، وزخرفها، وزينتها
وغيرها من معوقات الإستقامة، فنحن في زمن القابض على دينه كالقابض على جمر من نار.
إن الإستقامة هي الدين كله، فالإستقامة هي لزوم
طاعة الله ورسوله، وطريق الإستقامة طريق شاق يحتاج إلى نية صادقة وعزيمة قوية، ومن
هنا كان لا بد أن يحصل شيء من التقصير أثناء السير على الطريق المستقيم، ولذلك أمر
الله المستقيمين بالاستغفار. فقال الله عز وجل: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا
إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ
لِلْمُشْرِكِينَ﴾، لماذا قال الله تعالى: "وإستغفروه"،
بعدما قال: "فاستقيموا إليه"؟ لأن الإستقامة قد لا تتهيأ أسبابها كاملة لكثير من المسلمين، فيجب عليهم أن
يستغفروا الله عز وجل، وأن يلزموا الإستغفار إذا ما استقاموا على الطريق حتى يذهب هذا الإستغفار ما حصل منهم
ولا يزال من تقصير وتفريط يعوق مسيرتهم.
وهنا، أدعوا الله لي ولكم أن يهدينا جميعاً إلى صراطه المستقيم، صراط الذين
أنعم عليهم، وأن يتقبل الله دعاءنا كما تقبل دعاء سيدنا موسى وأخيه هارون، حيث قال
المولى جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا
تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
والله من وراء القصد ... وهو الهادي إلى سواء السبيل،،،

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق